أطباء ألمان يرصدون “غيوما غريبة” في الرئة لدى مرضى كورونا

. جينوم الفيروس ـ مصدر الارتباك الاول

. بداية الفهم ـ التمايز مع فيروس سارس

. اوجه اختلاف الاعراض بين كورونا والانفلونزا العادية

. غيوم ساطعة غريبة على حافة الرئتين

. بؤر الالتهاب تمتص كميات هائلة من الدم

. الرئة عضو قادر على الالتئام حتى بعد التهاب شديد

. الفيروس قادر على الحاق اضرار دائمة بالرئة

مصدر الارتباك الاول ـ جينوم الفيروس

بدات جائحة كورونا بارتباك كبير ليس فقط على مستوى القرار السياسي ولكن ايضا لدى الاطباء وخبراء الفيروسات انفسهم. والسبب يعود لسوء فهم جينوم الفيروس (الشريط او المحتوى الوراثي). الذي كان لا يزال مجهولا تمام ا بل ويتشابه الى حد كبير مع جينوم فيروس سارس الذي كان معروفا لدى الخبراء الذين اعتقدوا في مرحلة ما ان الفيروسين لهما سلوك وتفاعلات مماثلة في جسم الانسان.

وبهذا الصدد كتبت ايرين بيريس محررة الشؤون الطبية لدى شبيغل اونلاين في مقال نشره الموقع يوم السبت (17 ابريل / نيسان 2020) انه حتى كريستيان دروستن (كبير خبراء الفيروسات الالمان ويعمل في مستشفى شاريتيه في برلين) اعتقد في مرحلة اولى ان قوة عدوى الفيروس ليست كبيرة جدا. واعتقد الخبراء انه يستهدف بشكل رئيسي الجهاز التنفسي السفلي وبالتالي على الفيروس ان يجتاز كل الحواجز ويصل اولا الى الرئتين قبل ان تحدث العدوى. غير ان الاصابات الاولى التي س جلت في المانيا اتبت للاطباء والخبراء انهم كانوا على خطا.

بداية الفهم ـ التمايز مع فيروس سارس

بسرعة برهن فريق متخصص تحت اشراف كريستيان دروستن ان هناك امكانية لاستخلاص عينات من فيروس كوفيدـ 19 وجعلها تتكاثر في المختبر. وهذه خاصية لم تكن متاحة ابدا مع فيروس سارس. الباحثون الالمان فهموا بسرعة بان هذه النتيجة ربما ليست انجازا علميا باهرا وانما دليلا نهائيا بان الامر يتعلق بفيروس جديد تماما لا يستهدف الجهاز التنفسي السفلي فحسب وانما يستقر ايضا في الحلق.

المفارقة ان هذا الاكتشاف المبكر اظهر خطورة وعدم خطورة الفيروس في نفس ال ن لان الانتقال من حلق الى حلق اقصر بكثير من الطريق بين رئتين كما اوضحت بيريس. وبالتالي يكون كوفيد ـ19 في قوة وعدوانية العدوى اكبر من فيروس سارس. ولكن في الوقت ذاته يشكل خطورة اقل على معظم الناس لان التهابات الجهاز التنفسي العلوين يمكن ان تكون مزعجة ولكنها ليست خطيرة ابد ا. من الناحية الاحصائية المحضة تبين انه من النادر ان يتمكن فيروس كورونا من اختراق الرئتين والتسبب هناك في التهابات (النسبة لا تتعدى 2 بالمائة من مجموع المصابين المكتشفين).

اوجه اختلاف الاعراض بين كورونا والانفلونزا العادية

في حالات الانفلونزا العادية يشعر المرضى بتدهور مفاجئ لحالتهم الصحية. اما المصابين بكوفيدـ 19 فلا تظهر عليهم الا اعراض خفيفة في البداية كالسعال او الاحساس بخدش في الحلق وبعضهم قد يعاني من الحمى او الاسهال. وبعد اسبوع فقط يمكن ان تتدهور الحالة بسرعة لذلك يتعين الذهاب حينها فورا الى المستشفى.

وي قر الاطباء الالمان بعدم فهم اسباب هذا الاختلاف حاليا. رغم ان المنطق يدفع للاعتقاد بان الفيروس ينتقل من الحلق الى الرئتين بدليل ان الفيروس ينعدم بالتقريب في الحلق ويصبح غير قابل للرصد في الحالات الحرجة عند المرضى الذين يعانون من الالتهاب الرئوي.

وبمجرد وصول الفيروس الى الجهاز التنفسي السفلي فانه يعمل على اختراق خلايا الرئة ما يؤدي الى ضرر اولي بالغ. فيبدا جهاز المناعة في محاربة العدو المقتحم فتلتهب انسجة الرئة ولكن بشكل مختلف وغريب تماما عما الفه الاطباء في الالتهابات الرئوية العادية.

غيوم ساطعة غريبة على حافة الرئتين

من بين الاعراض غير العادية في معاناة بعض المصابين بكوفيدـ 19 نقص كبير في الاكسجين رغم شعورهم بقدرتهم على التنفس بشكل طبيعي. والسبب عجز الرئتين عن العمل بالشكل الصحيح. ونقلت بيريس عن مجلة انتنسيف كير ميديسن الطبية المتخصصة م لخصا لنقاش علمي بين مجموعة من الاطباء من الالمان والايطاليين والبريطانيين من (غوتنغن وتورينو ولندن) مفاده ان السبب في ذلك يعود لكون الرئة في حالة كوفيدـ 19 تتمطط بشكل غير عادي على الرغم من بؤر الالتهاب فيها.

في حالات الالتهاب الرئوي الحاد العادي تتراكم السوائل بكميات كبيرة في الرئة ما يجعل الانسجة اثقل واكثر صلابة. ويشعر المرضى بصعوبة في التنفس كانهم يقاومون قوة قاهرة. هذا ينطبق ايض ا على مرضى كورونا ولكن فقط في حالات الالتهاب الرئوي الحرج والمتقدم. وهذا ما دعا الدكتور ميشائيل بفايفر رئيس قسم امراض الرئة في مستشفى دوناوستوف الالماني الى القول بانه من المحتمل جد ا ان تتجمع كمية اقل بكثير من السوائل في الرئتين في المرحلة الاولى من فيروس كورونا المستجد مقارنة بالالتهاب الرئوي الكلاسيكي.

واضاف الدكتور بفايفر ان صور الاشعة المقطعية تظهر على شكل غيوم بيضاء ساطعة ما يشير الى احتباس السوائل في الرئة. وهي مناطق ليست كثيفة لدى مرضى كوفيد- 19 كما هو الحال في الالتهاب الرئوي الكلاسيكي. وحتى في الحالات المتقدمة يمكن رؤية مناطقة داكنة مليئة بالهواء. المثير ايضا ان المناطق المضيئة توجد بشكل رئيسي على حافة الرئتين على شكل غيوم بيضاء.

بؤر الالتهاب تمتص كميات هائلة من الدم

يفترض الدكتور بفايفر ان السبب الثاني وراء نقص الاوكسجين في تصريح لـشبيغل اونلاين ان التنفس شبه الطبيعي لمرضى كوفيد ـ19 يعود لـبؤر الالتهاب المتعددة التي تمتص كميات كبيرة من الدم بشكل غير عادي. وفي الوقت نفسه وبسبب تراكم السوائل يستحيل انتقال الاكسجين من الهواء الى الدم. كما ان الاجزاء السليمة في الرئة لا تحصل على الكمية الكافية من الدم وبالتالي ليس بمقدورها تعويض الاوكسجين المفقود. ويكون رد فعل الجسم في هذه الحالة زيادة ايقاع التنفس. وهو من بين الاعراض التي ياخذ بها الاطباء حاليا لتشخيص وتقييم الحالات الحرجة.

عندها يبقى الحل الوحيد هو التنفس الاصطناعي الذي ينقذ الارواح (..) ولكن اذا استعمل بعد فوات الاوان يكون لذلك تاثير سلبي على تطور المرض. وفي الوقت نفسه فانه يعني اجهادا كبيرا للجسم. ومن المهم تحديد اللحظة الصحيحة والمناسبة للجوء الى التنفس الاصطناعي على حد تعبير الدكتور بفايفر. وتعمل الجمعية الالمانية لطب الرئة والجهاز التنفسي حاليا على بلورة توصيات لمساعدة الاطباء على اتخاذ قرار اللجوء للتنفس الاصطناعي في الحالات الحرجة في الوقت الانسب.

الرئة عضو قادر على الالتئام حتى بعد التهاب شديد

صحيفة بيلد دير فراو اهتمت بمناقشات الخبراء الالمان وكتبت تحت عنوان بارز هذا ما يفعله كوفيدـ 19 بالرئة (15 ابريل / نيسان 2020) حيث استعرضت خبيرة شؤون الصحة سونيا اوتش التحديات التي تعترض الاطباء لفهم ليات هجوم الفيروس على الرئة. واكدت انه بامكان كل واحد فعل الشيء الكثير. مثلا الاقلاع عن التدخين فالوظيفة الوقائية للاهداب الدقيقة حول خلايا الرئة تكون تحت ضغط مسبق عند المدخنين ما يمنعها من اداء وظيفة تنظيف الرئة على احسن ما يرام. انها مشكلة عملية التخلص من القمامة كما يصفها طبيب امراض الرئة في مدينة اولم الدكتور ميشائيل بارتسوك في حوار مع بيلد دير فراو واستطرد موضحا: بعد تدخين السجائر تتعطل عملية تخليص الرئة من الفضلات لمدة ثماني ساعات. ويعاني مرضى الربو والانسداد الرئوي المزمن والاشخاص في المناطق ذات تلوث الهواء العالي من مشاكل مماثلة.

ومع بعض التغييرات في نمط الحياة يمكن دعم تطهير الرئتين وتجديد حمايتها عبر ممارسة التمارين الرياضية المنتظمة والاكل الصحي. فتعامل الجسم مع فيروس كورونا مرتبط الى حد بعيد بمدى قوة نظام المناعة في الجسم.

الفيروس قادر على الحاق اضرار دائمة بالرئة

ذكرت شبكة SWR الالمانية في تقرير لها نشرته على موقعها يوم (17 ابريل / نيسان 2020) استنادا الى اقوال اطباء ميدانيين الى ان كوفيدـ 19 يلحق مشاكل بالرئة حتى بعد زوال الفيروس. وبدا فريق من اطباء شتوتغارت دراسة تعتمد على مئات الصور المقطعية الم ح وس بة لرئات المرضى بالفيروس المستجد تشمل 150 مريضا.

وتسعى دراسة ي شرف عليها اخصائي الاشعة البروفيسور غونتر مارتن ريشتر من شتوتغارت الى فهم التبعات بعيدة المدى على الرئة عند المصابين بكل فئاتهم العمرية. بغض النظر عن عمر المريض فبمجرد وصوله للرئتين يمكن للفيروس التسبب في اضرار خطيرة خصوصا عند المدخنين ولكن ايضا عند مرضى القلب حسب الدكتور ريشتر. وبهذا الصدد نشر موقع واتسون الالماني يوم (18 / ابريل نيسان 2020) مقالا مفصلا حول نفس الموضوع اكد انه اذا كان من الواضح ان مسار الفيروس في الجسم يختلف في شدته من مريض الى خر. فلا يزال من السابق لاوانه التكهن بالعواقب طويلة المدى.

ومن الاخبار التي تدعو للقلق ما لاحظه اطباء المستشفى الجامعي لمدينة انسبروك على شكل تغييرات خطيرة مفاجئة عند ستة مرضى وهم غواصون نشطون لم يتم علاجهم في المستشفى بسبب اعراضهم الخفيفة ولكن تم علاجهم في البيت. الستة تعرضت رئاتهم لاضرار لا يمكن علاجها. ما اثار استغراب الجميع. وقال كبير اطباء المستشفى الدكتور فرانك هارتيغ كطبيب طوارئ وحالات الاستعجال بخبرة عشرين عام ا.. عليك اولا ابتلاع ريقك عندما ترى شيئ ا كهذا لدى مريض عمره 40 عام ا فقط.

حسن زنيند

DW