إذا أخطأنا… فلن ينهار العالم

عندما كان أولادي يتعلمون الكتابة، كانوا يتجمدون في أماكنهم خوفًا من ارتكاب خطأ إملائي. لم تكن نزعاتهم المثالية مفاجأة لزوجي وأنا، يبدو أنهم ورثوا تلك المثالية عنا فبعد كل شيء “التفاحة لا تقع بعيدا عن الشجرة” كما يقولون، وكان من الرائع والمؤلِم في الوقت نفسه أننا رأينا كيف أن هذه النزعة المثالية تعوق تعبيرهم الحر والخلاق. كنت أقول لهم مرارا وتكرارا: ارتكبوا الأخطاء! فإنها الطريقة الوحيدة التي تتعلمون بها. ولا أهتم فقط بالأخطاء الإملائية. أنا أريدكم أن تكونوا قادرين على التعبير عن أفكاركم. وفي النهاية يبدو أن الرسالة وصلت إلى عقولهم، وتمكنوا من تجاوز عقباتهم، وهم يكتبون جيدا ويعبرون بصدق عما يشعرون به.
إذا كنت عرضة للنظرة المثالية التي تنشد الكمال في كل شيء، فأنت تعرف جيداً ما نتحدث عنه. إن الكمال ليس فقط ذلك الصوت الذي يقول: “يجب أن تكون مثاليًا” ولكنه أيضًا صوت الشك الذاتي الذي ينبع من الناقد الداخلي الذي يقول: “أنت لست جيدًا بما فيه الكفاية.” إنه الصوت الذي يحثك في منتصف الليل، مثل المتنمر القوي الذي يقف وراء ظهرك ويهددك!
الصوت الذي يصيبك بالشلل عندما تحاول تحقيق ذاتك الحقيقية بشكل أكبر في العالم.
كثيرون يتميزون بالإبداع والذكاء، ولديهم فهم عميق ودراية، وفي أذهانهم أفكار تجارية رائعة من شأنها أن تؤتي ثمارها في العالم، ولكنهم يتوقفون عندما يحين وقت التنفيذ وإظهار إبداعاتهم. إن العقبة التي تقف في طريقهم لا تتمثل أبداً في جودة الفكرة أو الرؤية. العائق هو الفلسفة المثالية التي تسيطر عليهم بفكرة الكمال، وللأسف يتبع ذلك كلمات الشك في الذات، والتي تهمس في عقولهم بعبارات مثل:
“لا يمكنك فعل ذلك!”
أو “لماذا تتجشم العناء فقد تم تنفيذ ابتكارك بالفعل”
أو ” تُرى من تظن نفسك؟”
هذا التطلع للكمال يوقف مسيرتنا.لأنه شك وتشكيك في أنفسنا وهو القيد الذي يحول بيننا وبين الإنجاز، و كلما استمعنا إلى هذه الأصوات، أصابنا العجز.
الخوف من ارتكاب الخطأ هو السبب في كل ذلك القلق. وهو ما جعل خبراء التنمية البشرية يضعون البرامج التي تبث الثقة بالنفس، وتغيير العبارات السلبية الناجمة عن التفكير في الكمال إلى عبارات إيجابية من قبيل:
أنا واثق من نفسي ومن نجاحي.
علاقاتي رائعة ولا مجال للشك في قدرتي على تجاوز الخلافات الزوجية.
مشروعي ناجح وسيحقق لي ما أهدف إليه.
الأخطاء ظاهرة إنسانية ” فكل ابن آدم خطاء ” ويجب أن نجعل من الخطأ درسا نتعلم منه لا مفتاحا لباب الشك والريبة في إمكانياتنا وقدراتنا، والخطأ يعني بذل الجهد للتصحيح، ولنا في سيرة الرجال العظماء في كل مجالات الابتكار والمخترعات والأبحاث العلمية الدروس والعبر، فبعضهم يعترف أنه حاول عشرات، بل مئات المرات حتى اهتدى لما يهدف إليه من ابتكار أو اختراع.
يقول دان ميلمان في فيلم “طريق المحارب المسالم”: من الأفضل أن ترتكب الخطأ وأنت بكامل قوتك، من أن تتجنب الأخطاء بحرص شديد وروح مرتعشة، ولكن كيف نفعل ذلك؟ وكيف يمكننا القفز بشجاعة في نهر الحياة، بعد أن قضينا سنوات طويلة نقف على الشواطئ الآمنة؟
الحل أن نبدأ بتقوية قدراتنا الذاتية، والتعبير عن أنفسنا وعن طموحاتنا بشكل طبيعي بعيدا عن المثالية والرغبة في تحقيق الكمال، وأن نعرف يقينا أن وقوع الأخطاء لايعني أن العالم سينهار. بل علينا أن نقف من جديد ولا يهم عدد المرات التي نحاول فيها ولا تنجح المحاولات، المهم ألا تنطفئ جذوة الحماس والشغف بتحقيق ما نريد من إبداعات وأفكار. وعلينا التركيز الشديد فيما نفعل لتصحيح الأخطاء أولا بأول، وكيف يمكنك أن تتحرك بحرية في أي اتجاه عندما تكون مرعوباً وخائفاً من الحكم عليك؟. إذا كنت على استعداد لتعلم كيفية إخراج نفسك من “معتقل” الكمال المثالي، وإذا كنت مستعدًا لتهدئة صوت الشك الذاتي، فسوف تعيد التواصل مع الإبداع، والشعور الفطري بقيمتك الحقيقية، وسوف تنجح وتحقق كل أهدافك.

السياسة الكويتية