خبراء ألمان ـ “فيروس القمع” وانهيار سعر النفط يعصفان بالجزائر

. ديرشبيغل ترسم فاقا كارثية للاقتصاد الجزائري

. فيروس القمع يكمم افواه الحراك

. اعتقالات بالجملة وتضييق على حرية التعبير

. مضايقة الاعلام ـ عوامل الانفجار الثلاثة

. تغيير كل شيء حتى لا يتغير اي شيء!

ديرشبيغل ترسم فاقا كارثية للاقتصاد الجزائري

في تحليل م وسع ن شر يوم (الاحد 28 ابريل / نيسان 2020) قس م شتيفان شولتز محرر الشؤون الاقتصادية في صحيفة ديرشبيغل الدول المنتجة للنفط الى اربع فئات حسب قدرتها على احتواء انهيار اسعار الذهب الاسود. ووضع في المجموعة الاولى دولا وصفها بـالقوية لقدرتها على مقاومة التداعيات بفضل اقتصادها المتنوع او صناديقها السيادية منها (الولايات المتحدة كندا النرويج والبرازيل). ومجموعة ثانية تملك شبكة وقائية ستتضرر من الازمة لكنها لن تدفع ثمنا اجتماعيا مرتفعا كالامارات والكويت. ووضع شولتز روسيا وايضا السعودية ضمن هذه المجموعة رغم ان الاخيرة ستعاني اكثر من جيرانها الاغنياء. اما المجموعة الثالثة فهي ما اسماه الدول المعرضة للخطر وتشمل نيجيريا وايران وانغولا وع مان والاكوادور. ولكل دول هذه الفئة اعتباراتها السياسية والاقتصادية التي تجعلها في مهب ريح تقلبات اسواق النفط ما سيضعها امام معضلات تهدد استقرارها السياسي والاجتماعي.

المجموعة الرابعة ووصفها شولتز بفئة الدول ذات الوضع الكارثي وتتضمن (الجزائر وليبيا وفنزويلا والعراق وسوريا). الكاتب اكد في تحليله ان الحكومة الجزائرية المثيرة للجدل اعتادت الاعتماد على شراء السلم الاجتماعي بتمويل ودعم برامج اجتماعية باهظة الثمن بفضل ايرادات البترول. واضاف ان هذه الايرادات لم تكن كافية حتى قبل الازمة الحالية لتمويل عجز الميزانية. غير ان انهيار الاسعار هذه المرة يشكل خطورة بالغة حسب شولتز في وقت تنتظر فيه الحكومة الجزائرية عجزا قياسيا في الميزانية بحوالي 20 بالمائة خلال العام الجاري. فيما يتوقع الخبراء ان تنفذ احتياطات البلاد من العملة الصعبة بنسبة 90 بالمائة مع نهاية العام الجاري. وهي احتياطات تقلصت الى 62 مليار دولار في نهاية ديسمبر/ كانون الاول 2019. وتوقعت وكالة بلومبرغ الامريكية ت كلها السريع وتراجعها الى حوالي 13 مليار دولار نهاية 2020.

فيروس القمع يكمم افواه الحراك

في الاسابيع الماضية ظهرت عدة تقارير وتحليلات في الصحافة الالمانية تتساءل عن مصير الحراك الشعبي في الجزائر في زمن جائحة كورونا. وتحت عنوان فيروس القمع كتب كريستيان روسلر مراسل صحيفة زودويتشه تسايتنوغ لشؤون شبه الجزيرة الايبيرية والمغرب الكبير يوم (21 ابريل / نيسان 2020) مقالا اكد فيه ان النظام الجزائري يستخدم جائحة كورونا لقمع الحراك الشعبي واضطهاد الصحافيين النقديين فيما تتنامى مشاعر السخط في مختلف مناطق البلاد.

واوضح روسلر انه بعد اكثر من عام على المظاهرات الشعبية الاسبوعية تبدو شوارع العاصمة الجزائرية فارغة هذه الايام. فقد نجح الحراك في اجبار الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على الانسحاب من السلطة. لم تبق الكثير من الوجوه القديمة للنظام. لكن فيروس كورونا المستجد اجبر المتظاهرين على التوقف عن النزول الى الشوارع كل يوم جمعة وهم يدعون الى نظام ديمقراطي حقيقي في بلادهم. وتوارى شباب الحراك الى عالم الانترنت الافتراضي بعد ما سحب منهم كوفيد ـ19 اكثر ادواتهم فعالية للضغط على الرئيس الجديد عبد المجيد تبون. مجموعة التفكير (تينك تانك) مينا ووتش ومقرها فيينا وهي متخصصة في شؤون الشرق الاوسط وشمال افريقيا نشرت تحليلا لاليزا فولكمان تحت عنوان الحراك الجزائري يعاني ايضا من كورنا واستندت فيه لاقوال عدد من نشطاء المواقع الاجتماعية الذين اكدوا مواصلة نضالهم في العالم الافتراضي بنفس القوة والالتزام.

اعتقالات بالجملة وتضييق على حرية التعبير

منظمة العفو الدولية دعت يوم (27 ابريل / ابريل 2020) السلطات الجزائرية الى وقف عاجل لـ الملاحقات القضائية التعسفية الهادفة الى اسكات اصواتنشطاء وصحفيي الحراك في خضم تفشي وباء فيروس كوفيد-19. ودعت المنظمة الى الافراج فورا عن كل من تستهدفهم هذه المحاكمات الصورية. واكدت هذه المنظمة الحقوقية انه فما بين 7 مارس / ذار و13 ابريل/ نيسان فقط تم استدعاء ما لا يقل عن 20 ناشط ا للاستجواب من قبل الشرطة او تم القبض عليهم وتوقيفهم احتياطيا او حكم عليهم بتهم نابعة من ممارستهم لحقهم في حرية التعبير او التجمع السلمي في ست مدن في الجزائر. وقالت هبة مرايف مديرة المكتب الاقليمي للشرق الاوسط وشمال افريقيا في المنظمة: في الوقت الذي تنصب فيه الانظار الوطنية والدولية على معالجة تفشي وباء فيروس كوفيد-19 تستثمر السلطات الجزائرية الوقت في تسريع الملاحقات القضائية والمحاكمات ضد النشطاء والصحفيين وانصار الحراك.

ومن بين اهم رموز الحراك الشعبي الذين تم اعتقالهم كريم طابو يوم (24 مارس / ذار 2020) وهو رئيس حزب سياسي معارض الاتحاد الديمقراطي الاجتماعي (UDS) وحكمت عليه المحكمة بالسجن لمدة عام اعتمادا على مقاطع فيديو منشورة على فيسبوك وقد انتقد فيها دور الجيش في الحراك. كما اتهم طابو بـالمساس بسلامة وحدة البلاد وهي تهمة قد تصل عقوبتها للسجن عشر سنوات. وفي السادس من ابريل / نيسان ح كم على عبد الوهاب الفرساوي رئيس الجمعية الوطنية للشباب (RAJ) بالسجن لمدة عام ودفع غرامة للمشاركة في احتجاجات الحراك. وقد انتقد الطريقة التي تعاملت بها السلطات مع حركة الاحتجاجات في العديد من مواقع التواصل الاجتماعي. وفي التاسع من ابريل / نيسان ا دين الناشط الحقوقي ابراهيم داواجي بالسجن ستة اشهر بسبب فيديو بثه على الانترنت انتقد فيه ظروف احتجازه بعد ان ح بس احتياطيا لمدة ثلاثة اشهر بين نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 ويناير/ كانون الثاني 2020.

مضايقة الاعلام ـ عوامل الانفجار الثلاثة

صحيفة يونغه فيلت الالمانية اليسارية نشرت يوم (التاسع من ابريل / نيسان 2020) مقالا لسفيان فليب ناصر تحت عنون الجزائر على الحافة حلل فيه تظافر ثلاثة عوامل (جائحة كورونا انهيار اسعار النفط والاختناق السياسي)كخليط متفجر يهدد استقرار الجزائر. وفي هذا السياق دق الامين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريش جرس الانذار بشان دول لم يحددها بالاسم حين قال لن يكون مقبولا ان تستغل دول وباء كوفيد-19 لتقليص الحقوق الانسانية. واضاف في سياق تنامي القومية العرقية والشعبوية والاستبداد وتراجع حقوق الانسان في بعض البلدان قد توفر الازمة ذريعة لاعتماد تدابير قمعية من اجل غايات لا علاقة لها بالوباء . واضاف ان ذلك غير مقبول .

لة القمع استهدفت بشكل خاص الصحفيين المنتقدين واحيانا لمجرد ممارستهم لمهنتهم ففي (27 مارس/ ذار 2020) تم اعتقال الصحافي البارز خالد درارني بسبب تغطيته للحراك بتهمة المساس بوحدة البلاد. وفي (15 ابريل / نيسان 2020) اكدت السلطات الجزائرية حظرها لاثنين من المنابر الاعلامية المستقلة (ماغريب ايميرجان وراديو ام بوست) بانتظار اتخاذ اجراءات المتابعة القضائية ضد مديرها احسان القاضي بسبب القذف و الذم ضد الرئيس عبد المجيد تبون. والسبب مقال كتبه احسان في (الخامس من ابريل / نيسان 2020) بمناسبة مرور مائة يوم على وصول تبون لقصر المرادية (مقر الرئاسة الجزائرية). مقال قيل انه اغاظ النظام بشكل كبير.احسان اعتبر ان تبون جاء بتعليمات من الجيش الذي سعى لاعادة لباس مدني للسلطة. واكد ان تبون ليس الرجل المناسب في المنصب المناسب في وقت تواجه فيه الجزائر تحديات وجودية غير مسبوقة.

تغيير كل شيء حتى لا يتغير اي شيء!

للوهلة الاولى تبدو ليات عمل النظام الجزائري غامضة ومستعصية على فهم المراقبين الاجانب. فالحراك الشعبي الذي اسفر عن ابعاد بوتفليقة وحاشيته لم يحقق في نهاية المطاف مطلبه الرئيسي بتاسيس دولة ديموقراطية يسودها الحق والقانون. ان سلطة القرار تتبع في الجزائر منطقا متحركا ينبع من مراكز متعددة تتغير قوة نفوذها حسب المراحل التاريخية. ويتعلق الامر بهيئة اركان الجيش والمخابرات الداخلية (الشرطة السياسية) ثم رئاسة الجمهورية الواجهة المدنية لتدبير مؤسسات الدولة. وعادة ما يستعمل الجزائريون كلمة فرنسية le Pouvoir ويعنون بها القوة اوالسلطة الحقيقية لتوصيف الدوائر الفعلية لصنع القرار. وجرت التقاليد الا تظهر هذه الدوائر في العلن. واذا كانت انظمة سياسية كثيرة تقوم على كشف واظهار بل والتغني بمالك القرار فان النظام السياسي الجزائري يعتمد عكس ذلك ليات التكتم والسرية.

يجب تغيير كل شيء حتى لا يتغير اي شيء هذه العبارة الشهيرة من فيلم الغاتوباردو (الفهد) لمخرجه الايطالي لوتشينو فيسكونتي عام 1963 والمقتبس من رواية تحمل نفس الاسم للكاتب الصقلي لامبيدوزا تنطبق لدرجة الكمال على ليات التجديد الذاتي التي يعتمدها النظام الجزائري لضمان بقائه مهما كان الثمن. وبالتالي فان الكثير من التغييرات التي تحدث تقع داخل مربعات الحكم ولا تمس اركان النظام ذاته. فقد شهدت قيادة الاركان كما المخابرات الداخلية تقلبات غير مسبوقة بعض الجنرالات وضعوا في السجن فيما يحاكم خرون في حركة اعتقالات واقالات مثيرة كان خرها اقالة العميد بوعزة واسيني كمدير للامن الداخلي (المخابرات الداخلية) وهو الذي كان اليد اليمنى لقائد اركان الجيش السابق الفريق احمد قايد صالح. الجيش نفى بشكل عام في بيان ما نشرته صحف جزائرية حول حملة اعتقالات طالت جنرالات كبار لكن دون ذكر اسماء المعنيين ما جعل بعض المراقبين يشككون في ذلك البيان.

حسن زنيند

DW