علماء الفيروسات الألمان ـ أيقونات إعلامية في زمن كورونا

. مؤتمر صحافي غير مالوف في العالم الاكاديمي

. هل انقذت مناعة القطيع سكان هاينسبرغ

. ل بس بين مناعة الانفلونزا ومناعة وكورونا

. ع لم الاحصائيات يدخل على الخط..

. مطبات التوظيف الاعلامي والسياسي للعلم

مؤتمر صحافي غير مالوف في العالم الاكاديمي

بكثير من الترقب انتظر الراي العام الالماني مؤتمرا صحافيا يوم (الخميس التاسع من ابريل / نيسان 2020) عقده ارمين لاشيت رئيس وزراء ولاية شمال الراين ويستفاليا. والى جانبه وقف الدكتور هندريك شتريك مدير معهد الفيروسات في جامعة بون بهدف تقديم نتائج دراسة ميدانية اجريت في هاينسبرغ احد اكبر معاقل فيروس كورونا المستجد في المانيا. وحتى قبل ان ينتهي المؤتمر تناقلت وسائل الاعلام الالمانية بسرعة البرق قصاصات عاجلة من قبيل الخروج من الحجر ممكن 15 بالمائة من سكان هاينسبرغ اكتسبوا المناعة…الخ.

غير ان الحماس سرعان ما تراجع وخفت لتحل مكانه الريبة وعدم اليقين. وبدا جدل اكاديمي بين كبار علماء الفيروسات الالمان كان سيظل حبيس الدوائر الاكاديمية المختصة غير ان زمن كورونا غير قواعد اللعبة حيث تتبع الراي العام الالماني بشغف تفاصيل الدراسة والنقاط الخلافية فيها. وسائل الاعلام غطت بكثافة كل صغيرة وكبيرة. ردود الفعل الاولى لزملاء الدكتور شتريك القت بظلال من الشك على الدراسة واستنتاجاتها المؤقتة. خبراء مستقلون انتقدوا مبدئيا عرض نتائج دراسة علمية في مؤتمر صحفي بهذا الشكل. وانتقد كثيرون تراس رئيس حكومة ولاية شمال الراين ويستفاليا للمؤتمر الصحافي. البعض راى في ذلك خلطا بين العلم والسياسة. هناك اجابات قليلة لدرجة انك لا تفهم كل شيء كان هذا تعليق عال م الفيروسات كريستيان دروستن من مستشفى برلين شاريتيه الخبير ذي الصيت العالمي واحد اهم الوجوه الاعلامية والعلمية في المانيا منذ اندلاع ازمة كورونا. تعليق دروستن هذا كان قاتلا ووضع منذ البداية اطارا لنقاش علمي محموم تتبعه الراي العام باهتمام غير مسبوق.

هل انقذت مناعة القطيع سكان هاينسبرغ

مناعة القطيع مصطلح في علم الاوبئة يصف شكلا غير مباشر من الحصانة المكتسبة ضد الامراض المعدية تنشا عندما تمتلك نسبة عالية من السكان مناعة فعلية سواء كان ذلك من خلال العدوى او التلقيح وهو ما يؤدي في نهاية المطاف الى انخفاض في انتشار العدوى وبالتالي زيادة الحماية للافراد الذين لا يتمتعون بحصانة فردية. علماء الاوبئة يميزون بين مناعة الافراد ومناعة القطيع.

اهمية دراسة الدكتور شتريك تكمن في كونها شملت عينة من 12000 شخص من سكان غانغيلت في هاينسبرغ. وسعت من بين اهداف اخرى الى تحديد العدد الفعلي غير المكشوف لهؤلاء المصابين. فريق الدكتور شتريك اكد ان حوالي 15 بالمائة من العينة التي شملتها الدراسة محصنين ضد الفيروس فيما بلغت احتمالات الوفاة حوالي 0.37 بالمائة. اي اقل بكثير من الارقام المتداولة عالميا. شتريك اكد ان 15 بالمائة ممن شملتهم الدراسة اصيبوا فعلا بالعدوى. وكان استنتاجه هو ان قوة فتك الفيروس في هاينسبرغ اقل بكثير من النسب والارقام التي ت بل غ عنها جامعة جونس هوبكينس الامريكية في تقاريرها اليومية بشان المانيا وبعيدة حتى عن ارقام معهد روبرت كوخ الالماني. هذا الاستنتاج كان من بين النقاط الخلافية التي اثارت تحفظات الخبراء الذين وصفوه بـالمتسرع. خصوصا وان رئيس الوزراء ارمين لاشيت بنى عليه نذاك توجها جديدا حينما اعلن ان برلمان الولاية سيبحث اجراءات تخفيف الحظر تدريجيا بعد عيد الفصح.

ل بس بين مناعة الانفلونزا ومناعة وكورونا

من بين فصول هذا الجدل المثير الشكوك التي انصبت على دقة اختبارات المناعة ضد الفيروس المستجد. جيرار كراوزه عالم الاوبئة في معهد هيلمهولتز في مدينة براونشفايغ اكد لصحيفة زوددويتشه تسايتونغ (14 ابريل / نيسان 2020) عدم وجود ليومنا هذا اختبارات موثوقة لكشف المناعة في الجسم ضد فيروس كوفيد ـ19. وكان هذا دحضا مباشرا لدراسة الدكتور شتريك ورفاقه من جامعة بون الذين اكدوا وبدرجة عالية من الثقة رصدهم لبداية مناعة القطيع لدى سكان هاينسبيرغ.

كريستيان دروستن كشف من جهته عن مشكلة عويصة تتعلق باللبس بشان الجسيمات المضادة لنزلات البرد العادية وتلك المتعلقة بالفيروس المستجد. واضاف نوجد على بعد شهر واحد من نهاية موسم نزلات البرد وهذا قد يفسر جزئيا تواجد الجسيمات المضادة لعائلة فيروسات كورونا ككل لدى سكان هاينسبرغ وقد تكون تلك الجسيمات لا علاقة لها بكوفيد ـ19.

ع لم الاحصائيات يدخل على الخط..

فريق بحت الدكتور شتريك اختار عائلات محددة (اصيب واحد من افرادها على الاقل بعدوى كوفيد ـ19) كعينة لدراسته واختبر كل الاشخاص الموجودين في هذه الاسر لكن عالم الاوبئة الدكتور كراوزه اوضح انه لا يحق اخد جميع نتائج اختبارات هذه الاسر وتحويلها الى نسبة مئوية تشمل كل السكان. والسبب هو ان خطر الاصابة بالعدوى داخل الاسر المعنية اعلى عدة مرات مما هو عليه الحال عند عموم السكان وبالتالي فان احتساب كامل لجميع افراد الاسر موضوع الدراسة يؤدي الى تضخيم نسبة الحصانة وهو ما لا يمكن تعميمه على عامة الناس. ولكن للاسف هذا بالضبط ما قامت دراسة الدكتور شتريك.

اسه م النقد جاءت ايضا من زاوية غير متوقعة. موقع فوكوس (15 ابريل / نيسان 2020) نشر حوارا مع كاتارينا شولر وهي (خبيرة احصائيات وبرمجيات نمذجة المخاطر لدى المعهد الالماني لتقييم المخاطر (BfR) وعملت لسنوات مع كاري مولس الذي حصل على جائزة نوبل لاكتشافه (PCR) الاساس البيوكيميائي لاختبارات الفيروسات). الخبيرة رصدت مكامن ضعف الدراسة من الزاوية الرياضية والاحصائية المحضة. يذكر ان علم الاحصائيات هو احد فروع الرياضيات وله تطبيقات واسعة في(الفيزياء والعلوم الاجتماعية والمال والاعمال..الخ) ويضم مجموع الادوات لتقييم وتفسير البيانات موضوع البحوث العلمية. شولر قرات بروتوكولات دراسة الدكتور شتريك واصدرت حكما لا يقبل التاويل وقالت بالحرف: الدراسة ت سلط القليل من الضوء على الظلام .شولر خل صت الى انه لا يمكن تعميم نتائج غانغيلت على عموم المانيا. (..) سكان هذه البلدة اصغر سنا بكثير من مجموع سكان البلاد. كما ان نسبة الاشخاص الذين تزيد اعمارهم عن 65 عام ا هي اقل من 9.4 في المائة من المتوسط الوطني ونسبة الاشخاص الذين تزيد اعمارهم عن 75 عام ا هي اقل بـ 17.3 في المائة.

رد فعل الدكتور شتريك كان شديدا ضد منتقديه واكد انه امتثل بدقة لتوصيات منظمة الصحة العالمية. نحن قمنا باكثر مما تفرضه تلك التوصيات. فحصنا ما مجموعه 1000 شخص من 400 اسرة – وهو ما يمثل اربعة اضعاف ما ينص عليه بروتوكول منظمة الصحة العالمية. واستخلص ان الدراسة دقيقة من حيث تمثيليتها الاحصائية. غير ان شولر ردت بالقول ان التمثيلية الاحصائية ليست مسالة حجم العينة. وبدلا من ذلك يتعين بحث مدى تمثيل العينة المستخدمة للخصائص الاساسية للسكان.

مطبات التوظيف الاعلامي والسياسي للعلم

الدراسة واجهت اتهامات اخرى بعد تسريب معلومات بان تقديمها في مؤتمر صحافي خضع لاخراج معين يشبه الى حد كبير حملة علاقات عامة. فقد كلف الدكتور شتريك وكالة للعلاقات العامة في برلين لتسويق دراسته في وسائل الاعلام. وفي حديثه الاذاعي اليومي الذي تبثه شبكة ان.دي.اير الالمانية جدد دروستن انتقاده للدراسة يوم (الثلاثاء 14 ابريل / نيسان) مؤكدا ان العادة جرت ان ت نشر نتائج ومنهجية الدراسات العلمية في ورقة واحدة حتى يتمكن الزملاء والمختصين من تكوين وجهة نظرهم الخاصة. واضاف من الصعب الحسم بشان ما تمخضت عنه مثل هذه الدراسة اذا كانت لديك النتائج النهائية فقط. واضاف انه لا ينتقد الدراسة لانه لا يملك اصلا المعطيات التي تمكنه من ذلك. لكنه انتقد الكشف السريع لنتائجها المؤقتة. عادة تتم معالجة البيانات اولا بطريقة يمكن للباحثين ال خرين فهمها قبل توجيهها للسياسيين.

في (15 ابريل / نيسان) كشف موقع اير.بي اونلاين ان الحزب الديمقراطي الاشتراكي المعارض في ولاية شمال الراين وويستفاليا دعا الى ضرورة الاجابة عن الاسئلة المعلقة بشان دراسة هاينسبرغ ودور وكالة العلاقات العامة التي اشرفت اعلاميا عليها. وقالت سارا فيليب مفوضة الفريق الاشتراكي في برلمان الولاية اذا قرر عدد قليل من الاصدقاء من وراء الكواليس تنظيم حملة علاقات عامة لمشروع عام ممول بالمال العام فانني اتساءل: ما هي الاهداف والمصالح وراء كل هذا. مارتن فنسنتز زعيم حزب فريق البديل اليميني في برلمان الولاية دافع عن الدراسة واكد انها تساهم في مراكمة المعرفة بشان جائحة كورونا. غير انه عبر عن شكوكه في قدرة حكومة الولاية على استخلاص العبر الحقيقية من نتائج الدراسة.

حسن زنيند

DW