هل العمل في المنزل يُفضي إلى الجنون؟

بعد اشهر من الاجتماعات الافتراضية بالفيديو او الصوتية وتبادل الرسائل النصية ورسائل البريد الالكتروني وفي ظل تواتر انباء عن تخلي بعض المؤسسات والشركات عن العديد من الوظائف فلا عجب من ان ينتاب بعض من يعملون حاليا من منازلهم بسبب جائحة كورونا بعض القلق ولكن ان يصل الامر الى جنون الارتياب فهذا ما لم يكن في الحسبان. ويتناول تقرير اعدته فايننشال تايمز البريطانية الاسباب وكيفية علاج تلك الحالات.

ان جنون الارتياب او البارانويا هو عملية غريزية او فكرية يعتقد انها تتاثر بشدة بالقلق او الخوف وغالبا ما تفضي الى الوهم واللاعقلانية. يتضمن تفكير المصابين بالارتياب المرضي عادة الاضطهاد او الايمان بنظريات المؤامرة والمكائد المتعلقة بتهديد محتمل تجاه المريض دون تمييز او عقلانية وكثيرا ما يصاحب جنون الارتياب اطلاق الاتهامات الباطلة وعدم الثقة العامة بالخرين.

ما قبل واثناء الحجر الصحي

قبل الحجر الصحي الطوعي وبدء عمل الكثير من الموظفين من منازلهم كان اذا شعر البعض بعدم الارتياح بشان شيء ما في العمل فانهم ربما كانوا يجدون متنفسا او حلولا مقنعة عندما يناقشونه مع زملائهم المتواجدين في محيطهم. اما الن فان الغالبية منهم يمكثون الكثير من الوقت فرادى في غرف مغلقة بمنازلهم يحدقون معظم الوقت في شاشات الحاسوب والهواتف المحمولة.

ويتطلب عمل الكثيرين ممن يؤدون مهامهم الوظيفية من المنزل حاليا عقد العديد من الاجتماعات عبر مكالمات الفيديو او الصوتية ويتبادلون الرسائل الالكترونية والنصية. وتشوب هذه الانشطة بعض السلبيات التي يمكن التغلب عليها او التغاضي عنها والتي تعزى الى الافتقار لاشارات التفاعل الاجتماعي التقليدية والمعتادة والتعامل وجها لوجه. فعلى سبيل المثال تشهد بعض اجتماعات العمل عبر المحادثات الصوتية مظاهر سلبية عديدة منها ان بعض المشاركين يتبادلون رسائل الكترونية او نصية بعيدا عن باقي المشاركين او يشرد البعض اثناء الاجتماع دون ان يلحظ المتحدث او ينشغل البعض الخر بتناول الطعام والشراب الى خره من السلبيات.

العزلة وانعدام الثقة

هناك ايضا بعض المظاهر عميقة الاثر بسبب العزلة وعدم الثقة في رضا الادارة عن الاداء والتي ربما تنتاب البعض بسبب تزايد حالة التوتر والقلق نتيجة لتبادل رسائل البريد الالكتروني على مدار الساعة وحالة الانتباه والترقب المتواصل خوفا من ان يؤدي عدم استلام رسالة نصية مهمة في توقيت مناسب وكذلك الخوف الكامن من فقد الوظيفة ربما تؤدي جميعها او بعض منها في نهاية المطاف الى الاصابة بجنون الارتياب.ويقول اندريه سبايسر استاذ السلوك التنظيمي بكلية كاس بيزنس سكول بجامعة سيتي لندن: بشكل عام ان جنون الارتياب يتعلق باشياء غير موجودة او لم تحدث بعد مما يعني انه عندما لا يكون الشخص بالقرب من زملائه في العمل وداخل مقر عمله بسبب العمل الافتراضي من المنزل فانه من الممكن يكون هناك مساحة لتطور حالة بارانويا. وبالطبع لا يوجد لدى الجميع المعلومات التي تساعدهم على فهم ما يحدث او يدور بين مسؤولي الادارة الاعلى.ويتفق بروفيسور دانييل فريمان استاذ علم النفس الاكلينيكي في جامعة اكسفورد مع هذا الراي قائلا: عندما يصاب الاشخاص بجنون الارتياب فانه غالبا يعزى الى حصولهم على القليل من المعلومات او تعاطيهم مع الكثير من المواقف الغامضة. في الوقت الحالي هناك الكثير من الغموض والتهديدات باحتمالات فقد الوظائف كما ان هناك الكثير من فترات الفراغ التي توفرت بسبب تغيير الانشطة الروتينية اليومية ومقابلة الخرين للتحدث عن الكثير من الاشياء الاخرى بعيدا عن موضوعات العمل والمستقبل.

ووفقا لما ذكره تقرير لمؤسسة مايند الخيرية للصحة العقلية يعاني العديد من الاشخاص من افكار بارانويا معتدلة من وقت لخر. وربما تتضمن هذه المخاوف ان يتم استبعاده او ان الزملاء يثرثرون ويغتابونه.

ويصف رودريك كرامر استاذ السلوك التنظيمي في كلية ستانفورد لادارة الاعمال محفز البارانويا بانه عبارة عن احداث غير متوقعة مثل الانغماس في التفكير وبشكل متكرر.

وتشير نتائج احد ابحاث بروفيسور كرامر الى انه لملء الفراغ الذي يتواكب مع حالة من الغموض وعدم اليقين يميل البعض الى ان الافراط في اليقظة ويكثرون من التركيز والتفكير وفحص سلوك واقوال الاقران والرؤساء من اجل فهم المعنى من كل تعليق او اشارة مما يجعلهم ينغمسون اكثر في التفكير بشان ما اذا كان يجري وضعهم تحت الملاحظة في حين ان الاشخاص الاكثر شعورا بالامان في وضعهم الوظيفي او بالثقة في سمعتهم الوظيفية تكون مخاوفهم اقل بكثير.

وذكر الطبيب النفسي ستيفن غروز في كتابه The Life Examined Life ان الجنود غالبا ما يواجهون جنون الارتياب فيما يتعلق بعلاقاتهم الاجتماعية اثناء تواجدهم في ساحة المعركة وهي حيلة دفاعية نفسانية تلقائية لان شعورهم بالشك يكون اقل ايلاما من الشعور بالنسيان.

صمت وتجاهل

وتقول انيتا ويليامز وولي استاذة السلوك النظري في كلية تيبر لادارة الاعمال بجامعة كارنيغي ميلون انه من الصعب ايضا معالجة ما يتسبب فيه الصمت او عدم تلقي الرد فعلى سبيل المثال اذا لم يرد شخص ما على رسالة بريد الكتروني تساور البعض افكار وتساؤلات على شاكلة ماذا يعني ذلك وما المقصود هل هو تجاهل.

وتضيف بروفيسور وولي ان اجتماعات الفيديو تميل الى التركيز على المهام. في حين انها يمكن ان تكون مثمرة فان الجانب السلبي هو انها لا تميل الى تقديم معلومات في السياق عن المعلومات التنظيمية الاوسع او بعض الظروف الشخصية للخرين.

وفي غياب مثل هذه الرؤى يحاول البعض السعي الى استنباط واستشفاف الامور من خلال نبرة الصوت او السعي للحصول على اي معلومات من اي اطراف ذات صلة.

ويقول بروفيسور توماس تشامورو بريموزك استاذ علم النفس التجاري بجامعة كولومبيا انه قد يكون من الصعب التلاعب والتمر عبر الانترنت الا انه لا تزال هناك احتمالات لحدوث بذلك وربما يستطيع بعض المكيافيليين او الافراد غير الاسوياء التلاعب من اجل تزييف حقائق او ترويج شائعات بين العاملين عبر الانترنت. وفي الوقت نفسه يوضح بروفيسور تشامورو ان تشغيل البرامج التي تراقب استخدام اجهزة الكمبيوتر المحمولة الخاصة بالموظفين يؤدي الى تفاقم جنون الارتياب.

البعيد عن العين.. بعيد عن العقل

ربما يكون اولئك الذين يعملون من المنزل على حق في الشعور بان الـبعيد عن نظر مديريه ربما يكون بعيدا عن تفكيرهم ايضا.

وترى بروفيسور باتيا ويزنفيلد استاذ الادارة في كلية ستيرن للاعمال بجامعة نيويورك ان الابحاث اظهرت انه من الافضل ان يعمل المدير من المنزل مثله مثل باقي الموظفين لانه اذا تم عمل تقارير تقييم الاداء للموظفين بينما يكون المدير في مقر العمل مع مجموعة قليلة من الموظفين فانه النتيجة المتوقعة هي ظلم الموظفين الذين يعملون من منازلهم بالمقارنة من اقرانهم في مقر العمل.

من الواضح في المناخ الاقتصادي الحالي ان خطر فقدان الوظائف خطر حقيقي. ويرى بروفيسور كرامر ان القليل من جنون الارتياب الحكيم ربما يكون مفيدا وبمعنى اكثر وضوحا فان اليقظة والتدقيق المتزايد والتحسب بشان نوايا الخرين ودوافعهم ربما يشكل فارقا.

نصائح للمديرين

بالنسبة للمديرين الذين لا يريدون في ان تسود اجواء من الخوف والقلق بين موظفيهم فان النصيحة هي التواصل بطرق متعددة وغالبا. تقول بروفيسور وولي في نصيحة للمدير: كن شفافا. واحرص على ان هناك تكيفا وتوائم بين الجميع على حد سواء. ان التحدث بشفافية عما قد لا تعرفه افضل كثيرا (في مثل هذا الظروف) من التزام الصمت بشان ما لا تكون متاكدا منه.اما بالنسبة الى الموظف الذي يعاني من حالة ارتياب ويحاول التيقن بحصافة من مدى واقعية مخاوفه فتوصية بروفيسور كرامر هي ان يقوم بـاختبار الواقع النشط. وبعبارة اخرى ان يقوم بمناقشة ما يساوره من مخاوف وافكار مع دائرته الاجتماعية.

ويجمع الخبراء على انه لابد من بداية ملاحظة مظاهر واعراض الارتياب ان يتوقف الشخص ويسال نفسه بواقعية وصدق حول ما اذا كان يتخوف منه هو حقيقة ام مجرد وهم لا اساس له من الواقع.

العربية